فمتى إذًا؟

قال أحدهم يومًا “من أول يناير هكون إنسان جديد” وبصرف النظر عن المصدر الذي خرجت منه هذه المقولة إلا أني كثيرًا ما أتأملها وأقارنها بالكثير من سلوكياتنا، لا أعلم هل نجح هذا الشخص فى التحوّل إلى “إنسان جديد” فى بداية يناير ذاك، أوحتى أيّ يناير لاحق أم لا، لكن ما أنا متأكد منه أن الكثيرين منا يربطون تحولاتهم الهامة، وقراراتهم أو مشاريعهم المحورية بأول يناير، أو حتى بأول شيء ما، أو بعد شيء ما، المهم أن يرتبط حَدَث بوقت، وفي الغالب، يكون هدف الربط دافع خفىَّ للتسويف، وحين يأتي يناير ولا يحدث شيئاً، ولا نتحول إلى ذلك “الإنسان الجديد” الذي أمّلناه، فالغالب أننا سننتظر حتى يناير الذي يليه، أو حتى يرشدنا عقلنا المسوّف إلى ميعاد آخر، يبدو مميزًا لنربط به حدثاً نتمنى حدوثه.

والحقيقة التي سندركها لاحقاً _إن كنا محظوظين_ أو ربما لا نفعل، أن الزمن مفهوم مطاط جدًا. نحن من اخترعنا له بداية ونهاية حتى نستطيع التعامل معه، فالأزمنة كلها شيءُ واحد، فليس هناك واقعيًا ما يميز أول يناير أو ما يفرقه عن السابع من مايو مثلًا، نحن من أعطينا الأزمنة هذه المسميات لتساعدنا على التحديد، لأن عقولنا لا تستطيع التعامل مع مفهوم الزمن المطلق. إن حقيقة الزمن تكمن في اللحظه الحالية، فى الاستغراق الحالي والانخراط الكامل مع “هناـ والآن” لذا لابد أن تدرك أنه إن لم يكن تفكيرك مبني على(هنا ـ الآن)، فإن إجابة سؤالي المبهم الذي بدأت به هذا المقال “فمتى إذًا”؟ هي إجابة مبهمة كذلك، إجابة غارقة في مجاهل اللاوعي المسوّف، للأسف لن تعلم أبدًا “متى إذًا”.

معضلة التسويف وعقلية المسَّوف:

 ببساطة هى عقلية التأجيل المستمر، تعرفها حين تسمع هذه المقولات المشهورة: “أول يناير”، أو “غدًا” أو”الأحد القادم” أو “بداية الدراسة” أو أو …

إن صور التسويف في حياتنا لا تنتهي، وبينما يعتبر إعداد وتقسيم الأهداف على الشهور والسنوات سلوك عملي ناجح، لابد أن نفرق هنا بين التسويف والتخطيط، وهو لكي يكون هذا التحديد والتقسيم الزمني تخطيطًا ناجحًا، فلابد أن يكون “أول يناير” مجرد حلقة من عدة حلقات مستمرة، وأنه بعد انتهاء أهداف يناير ستأتي أهداف فبراير ومارس وهكذا.

الدافع الخفي للتسويف

التسويف معضلة خطرة، وهو أحد أكبر أسباب الإحباط والشعور بانعدام الكفاءة والقيمة التى قد نشعر بها جميعًا أحياناً أوـ للأسف ـ دائماً. التسويف هو أسوأ أعدائك، تظل تقنع نفسك أن الوقت غير مناسب، وأن الظروف لا تسمح، وأنّ  وأنّ.. والحقيقة أنك خائف لا غير. الخوف هو ما يمنعك من تجربة شيء جديد، ومن اختبار قوتك تجاه تحدٍ جديد، ومن دفع نفسك خارج حدودك المعتادة والمألوفة، هزيمة خوفك، هى الخطوة الأولى لتكون أقوى وأقدر على الإنجاز.

إن الأوقات تمضي، وأكبر سارق للأوقات، هو التسويف، وأكبر مغذِّ  للتسويف هو الانتظار. والانتظار هو صفة المترددين، الذين يتركون الخوف دائماً ليتحكم فيهم. نعم الخوف هو الدافع الخفي للتأجيل، الخوف من المواجهة، أو الخوف من الفشل، أو الخوف من عدم الكمال، أو الخوف من النجاح الذي يعقبه فشل، وإذا بدأت في سرد قائمة المخاوف، فإن القائمة ستطول.. جدًا.

 الخائفون ينتظرون دومًا، يؤجلون كل شيء، فى انتظار”شيء ما”، هم في الغالب لا يعرفونه تحديدًا، لذا يتحدثون عن أي مسوِّغ لتسميته، مثل انتظار الظرف المناسب أو الوقت المناسب أو الوقت الذي يبدو أنه مناسب مثل “أول يناير”!

الحقيقة التي لابد أن نعيها ونتعامل معها بنضج هي أنه لا يوجد وقت مناسب ولا ظرف مناسب، ولا مكان مناسب، هناك وقت نحن من نجعله مناسبًا هو “الآن”، وهناك مكان نحن من نجعله مناسبًا هو “هنا” وهذا سر الإنجاز والقدرة على مر الأوقات: “هنا والآن”.

فخ الانتظار الساذج

أكثر أنواع الانتظار سذاجة، هو أن تنتظر أن تكون الحياة أسهل، أو أن تكون الظروف مواتية دومًا، أو أن تتوقع أن هناك منقذًا ما، سيأتي”يوماً ما” ليخرجك من معاناتك ويحقق لك أحلامك.

الحكمة والنضوج يقولان: كن أقوى من الحياة، وكن منقذ لنفسك. لأن التحديات والأوقات الصعبة هي التي تصنعنا، هي التي تقوّينا، وهذه القوة هي ما يجعل الأشياء لاحقًا أسهل بالفعل.

نصيحتي الأخيرة: “حاول لأن تكلفة عدم المحاولة أغلى دائمًا”

By | 2018-01-06T10:56:03+00:00 يناير 6th, 2018|النمط الصحي|0 Comments